ساعة مكان

مسجد الجامع الأول في تورونتو

17 يونيو، 2015
IMG_0137

منذ نحو أسبوعين ذهبت إلى زيارة مسجد الجامع الذي يُعد المسجد الأول في تورونتو. يقع المسجد في قلب مدينة تورونتو وكان المبنى عبارة عن كنيسة بروتيستانتية بُنيت قبل الحرب العالمية الأولى واشتراها المسلمون بعد الحرب العالمية الثانية لتُصبح أول مسجد في المدينة. ذكريات وماض جميل لأوائل المهاجرين المسلمين إلى كندا عكّر صفوه بعض الخلافات الطائفية. فماهي قصة بناء هذا المسجد ؟ وما علاقة المسجد بالملك فيصل رحمه الله؟ وماذا نعرف عن زيارة مالكوم أكس؟ وما وضع هذا المسجد اليوم؟

تاريخ بناء مسجد الجامع في تورونتو

في سنة 1910 ميلادية، شرع مسيحيو البروتستانت ببناء كنيسة في حي هاي بارك High Park في تورونتو ولكن مع بدء الحرب العالمية الأولى ومشاركة كندا فيها لم يتم الإنتهاء من المبنى حتى عام 1928. شهدت الكنيسة ازدهاراً في السنوات الأولى وقامت بشراء عدة مبان مجاورة لخدمة الكنيسة ومرتاديها. كانت تحيط بالكنيسة حديقة كبيرة وكان لها برج عُلق عليه جرس. وكانت تضم بيانو ضخم استُخدم ليصاحب ترانيم الانجيل. بعد الحرب العالمية الثانية بدأت موجة من العزوف من ارتياد الكنائس وبدأت هجرة الشباب من مدينة تورونتو إلى المحافظات الغربية في كندا. ومع تراجع أعداد الزائرين والمتبرعين للكنيسة بدأت ببيع الممتلكات من المباني المجاورة إلى أن تم اتخاذ قرار ببيع المبنى الرئيسي للكنيسة الذي تم شراؤه سنة 1969 من قبل مجموعة من المهاجرين المسلمين.

المسلمون في تورونتو

قبل شراء مسجد الجامع كان مسلمو تورنتو يصلون في محل جلود اشتروه سنة 1961 لغرض تحويله إلى مُصلى الذي أصبح لاحقاَ أول مركز إسلامي في تورونتو. قد يجادل البعض بأن هذا المحل يُعتبر أول مسجد في تورونتو ولكن بسبب عدم وجوده في الوقت الحاضر وعدد السنوات القليلة من استخدامه ، أنا شخصيا اعتبر مسجد الجامع أول مسجد في تورونتو. كان المسلمين في تورونتو من أصول ألبانية، هندية، بنغالية،تركية، مصرية، عراقية، ما كان يُعرف بيوغوسلافيا وبعض المعتنفين الجدد للإسلام. ظهرت من بين صفوف المسلمين شخصية قيادية من ألبانيا، السيد رجب عاصم Rajjab Assim. كان رجب شغوفاً بخدمة المجتمع الإسلامي في تورونتو. وٌصف رجب عاصم ممن عمل معه بأنه كان مخلصاً في خدمة مجتمعه ومجتهداً لتحسين أوضاع المسلمين في كندا. كان رجب يفتخر بوصف نفسه بأنه كان من ثوار ألبانيا. تطوع رجب عاصم و أفراد من المجتمع لترميم المحل وتحويله إلى مصلى. أصبح المصلى أكثر من مجرد مكان للصلاة. فقد كان بمثابة مركز خدمة إجتماعية، تأهيل وظيفي، بناء صلات بين المسلمين وتخفيف الشعور بالحنين الى الوطن والعزلة. سرعان ما ضاق المصلى بأعداد المسلمين المتزايدة. وتم تسمية المصلى بالمركز الإسلامي في تورونتو. ومثل العديد من المراكز الإسلامية في بلاد الغرب سرعان ما ظهرت مدارس الأحد الإسلامية لأبناء المسلمين، تجمعات للعشاء في الأعياد. كان بعض المسلمون يقطعون مسافات طويلة فقط ليلتقو بساعات فليلة بالمجتمع الاسلامي في ذاك المركز. يستعيد بعض المسلمين ذاكرة تلك الأيام كونها مميزة بأنهم لم يعتادوا حينها على رؤية مسلمين من جنسيات مختلفة تجمعهم الصلاة يومياً في صف واحد في حيث لا تزال نار العنصرية مشتعلة خارج جدران المركز.

أول مركز إسلامي في تورونتو

أول مركز إسلامي في تورونتو

دور النساء في المسجد

منذ بدايات المجتمع الإسلامي في تورونتو وكان للنساء دور بارز في خدمته وكنّ القوة الدافعة للاستمرار. تصف السيدة سولانز شاهين Solanz Sahin ذكريات تلك الأيام بأنها وغيرها من السيدات كنّ يطبخن في بيوتهن طعام الإفطار أو عشاء العيد ويأخذنه إلى المركز ليجتمعوا مع باقي المسلمين في تورونتو. كانت النساء كذلك عضوات في مجلس إدارة المركز الإسلامي. نضمت السيدة سولانز كذلك العديد من الحملات لجمع التبرعات للمركز. وكذلك كانت السيدات يقمن بتدريس الأطفال القرآن وأحكام الدين بالرغم من عدم توفر أي كتب وضيق المساحة وعدم صلاحيتها للتدريس. كان الحرص على تربية الأبناء الإسلامية كفيلاً بتذليل العوائق وأصبح هؤلاء الأبناء اليوم من مواطنون كنديون صالحون يخدمون الإسلام والمجتمع كما فعل آباءهم.

زيارة مالكوم إكس

حين زار مالكوم إكس Malcolm X تورونتو عام 1965، تلقى دعوة من بعض الشخصيات البارزة في المجتمع الإسلامي لزيارة المركز (قبل شراء مسجد الجامع)، يروي موري هوجبن Murry Hogben المعتنق للإسلام قصة زيارة مالكوم إكس ودعوته للعشاء في منزله، قال بأنه تجاذب أطراف الحديث من مالكوم ثم اصطحبه إلى المركز الإسلامي في تورونتو. هناك ألقى مالكوم خطبة وألقى التحية على الحضور. أراد موري أن يهدي مالكوم تذكار من المسجد فقام بوضع لوحة كُتب عليها سورة الإخلاص في إطار ذهبي كان متوفراً لديهم، ووقفوا جميعاً لإلتقاط صورة. بعد الزيارة بمدة قصيرة وقعت حادثة إغتيال مالكوم إكس مما أحزن موري ولا تزال ذكرى لقاء مالكوم تحزنه إلى الآن.

malcom

من ذاكرة المجتمع المسلم في مسجد الجامع

في بحث قامت بتشجيعه وزارة التعليم في أونتاريو، جمعت مؤسسة شجرة الزيتون الغير ربحية التاريخ المنقول شفويا للمسلمين الأوائل في تورونتو، إنطلق المشروع عام 2009 وتكون من لقاءات مع المسلمين الأوائل في المجتمع المسلم في تورونتو مثل موري هوجبن وسولانز شاهين. كان موقع المركز الإسلامي في تورونتو مناسباً للعديد من المسلمين لأنه يقع في حي مكتظ بالسكان وكون معظم المهاجرين لا يمتلكون سيارات. ومن خلال البحث في تاريخ المركز وُجد أن وزير التعليم العراقي الحالي، حسين الشهرستاني، كان يعمل مدرساً في مدرسة الأحد في المركز الإسلامي إثناء دراسته شهادة الدكتوراه من جامعة تورونتو. في أقل من عشر سنوات ترك المسلمون المركز الاسلامي واشتروا الكنيسة البروتستانتية التي تحولت إلى المسجد الجامع.

خلاف وانشقاق في صف المصلين

مع تدفق الكثير من المهاجرين إلى تورونتو ظهرت على السطح الإختلافات المذهبية والطائفية بين المسلمين. ومع محاولة سيطرة طائفة معين دون الأخرى على المسجد والخلاف على إدارته قررت جماعة من المسلمين الإنشقاق عن مسجد الجامع وتكوين المؤسسة الإسلامية The Islamic Foundation of Toronto التي كان لها إنجاز غير مسبوق في تورونتو سأتناوله في مقال لاحق. للأسف شهد المسجد مشادات لفظية وجسدية ومع ازدياد التقاطب بين الأفراد. أثر ذلك سلباً على عدد المصلين في المسجد مما يؤثر بالتالي على التبرعات التي كانت تغطي أقساط المسجد. كلّف المسجد الجالية الإسلامية 150 ألف دولار. وكان حينها هذا المبلغ ليس بالقليل، تمكنت الجالية الإسلامية من تقديم نصفه على أن يتم سداد النصف الآخر بالأقساط. ومع شح الأموال وقلة عدد المساهمين في المسجد أوشك المصلون على فقدان مسجد الجامع لنفس الأسباب التي اضطرت الكنيسة إلى بيعه سابقاَ. فكان لابد من ايجاد حل سريع لإنتشال المسجد من هذه الضائقة المالية.

دور الملك فيصل في إنقاذ مسجد الجامع

كان تنظيم الطلاب المسلمون Muslim Student Association وهي منظمة شباب إسلامي في أمريكا الشمالية، يقومون بإدارة المسجد خلال الأزمة المالية. قرر الدكتور أحمد شاكر من تنظيم الطلاب مخاطبة الملك فيصل رحمه الله. وكان الرد فورياً وكريماً من الملك رحمه الله. شكل التنظيم فرعا في كندا ليتم تسجيل المسجد بإسمه لحماية المسجد قانونياً من أي التزامات مادية وضمان بقاء بابه مفتوحا لجميع المسلمين.

مسجد الجامع اليوم

بسبب كون المبنى بُني لغرض غير الصلاة قامت الجالية المسلمة بوضع السجاد بزاوية للإتجاه نحو القبلة. ومع مرور الوقت تمت إضافة صفوف دراسية والمحراب و أماكن مخصصة للوضوء وغسل الموتى. تم الحفاظ على البنية المعمارية التاريخية كما هي. كان مسجد الجامع نقطة انطلاقة لعدة مساجد في تورونتو لذلك يسمى في بعض الأحيان بالمسجد الأم لتورونتو. أصبح المسجد بمثابة مرجعية إسلامية للمسلمين وغير المسلمين في تورونتو. تقام في المسجد دورات لغة عربية حصص اسلامية وكذلك محاضرات في مختلف المجالات المتعلقة بالاسلام.

زيارتي إلى مسجد الجامع

كانت زيارتي للمسجد رحلة اخذتني بعيداً إالى حقبة الستينات، كانت له روح المتاحف ورائحة الخشب القديم. كان المسجد شبه خال ولكني كنت أرى الأطفال يتراكضون حوله وتتعالى أصواتهم بالضحك. عندما تكون الأول لابد من أن كل شئ يكون صعباَ، فكيف عندما تكون أول من أسس مجتمعاً فخوراً بهويته الإسلامية، يسعى جاهداً ليضمن مستقبلاً لأبنائه محافظين على إسلامهم ومعتزين به. الغربة فقط في القلب، يشتكي الإنسان من البُعد وهو ليس سوى على بعد رنين الهاتف أو تطبيق هاتف ذكي. هم كانوا أناس أنشأؤا بيتا بعيداَ عن بيوتهم في أوطانهم، ونحن نهجر هذه المساجد التي عمّروها وعَمَروها. اليوم من أي نقطة في تورونتو، يوجد مسجد على بعد عشر دقائق أو أقل. لم يعد مسجد الجامع المسجد الوحيد ولكن يبقى الأول.

 

المصادر:

  1. الموقع الالكتروني لمسحد الجامع
  2. مجلة Horizon الصادرة من الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية. عدد نوفمبر/ديسمبر 2010.
  3. مجلة Azizah مقال The Founding Mothers: the story of the Dandas street Mosque and its female contributors. الفصل السابع – الاصدار الثالث.
  4. مدوّنة 30 Masjids مقال Gami Mosque الصادر اغسطس 2011.
  5. مدوّنة 30 Masjids مقال Bricco Kitchen الصادر يونيو 2014

 

 

 

 

 

 

You Might Also Like